"الآراء الصوفية للإمام الشعراني مع تحقيق كتابه "" القواعد الكشفية الموضحة لمعاني الصفات الإلهية """

أسامة فخري فكري محمد محمود الجندي القاهرة دار العلوم الفلسفة الإسلامية ماجستير 2008

ولقد اهتم بدراسة علم التصوف الكثير من الأعلام في مختلف العصور ، ومن هذه الشخصيات التي تقابلنا في تاريخ التصوف الإسلامي ، الصوفي عبد الوهاب الشعراني ، ذلك الرجل الذي جذبه رحيقُ التصوف منذ حداثته ، وتعلق في سنواته المبكرة بالتصوف والزهد , فبكر الشعراني بسلوك الطريق الصوفي في بدء حياته بحكم النشأة في بيت قوامه الذكر والزهد والورع ،  وفي بيئة يغلب عليها الطابعُ الصوفي ، وكان لأسرته أكبر الأثر في هذه النزعة الصوفية التي صاحبته منذ حداثته ؛ حيث كانت أسرتُه عريقةً في الصلاح والتقوى .

 

والشعراني هو عبد الوهاب بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن موسى الشعراني . ويصل نسبه إلى محمد ابن الحنفية بن علي بن أبى طالب رضي الله عنه . وهو الشيخ العالم الزاهد ، الفقيه والمحدِّث والأصولي ، المصري الشافعي الصوفي .

 

وقد اتصل الشعراني في طلبه للعلم بصفوة العلماء في عصره من مثل : زكريا الأنصاري ، وناصر الدين اللقاني ، والسمنودي ، والقسطلاني ، وغيرهم ، وقد عرف منذ نشأته العلمية باحترامه لشيوخه ومدى إجلاله لهم من خلال تواضعه الجم ، وأدبه الحسن ، وأيضاً من خلال نفس تتسع لشتى جوانب العلم والمعرفة ، فقد درس الشعراني التصوفَ ، والفقه ، والحديث ، والتفسير ، واللغة ، والأصول . وكل ذلك أدى إلى اتساع مداركه العقلية لكل معارف عصره العلمية ، غير أن اهتمامَه الأول واشتغالَه الواسع كانا في الحديث وفي التصوف .

 

وقد ظفر الشعراني بإجازة كثير من الشيوخ الذين كانوا في عصره , واعترفوا له بالفضل والسبق ، حتى إن بعضهم كان يقصده للاستفادة منه .

 

وكان الشعراني شافعياً مرموقاً ، ثقف المذهبَ الشافعي على أئمته في عصره ، كما ثقف عليه أيضاً الكثيرون من تلاميذه ، والمتتبع لمؤلفات الشعراني يجد أنه كثيراً ما يروي عن الشافعي أقوالاً وأخباراً ، تدل على محبته للزهد والتصوف .

 

وللشعراني مزايا أخرى اتسم بها ، فهو مع كونه فقيهاً شافعياً ، كان متقناً لكثير من العلوم ، كما أنه كان عاكفاً على التأليف دون انقطاع ، واستمر في ذلك في دأب لا يمل ولا يكل حتى وصلت مؤلفاته إلى ثلاثمائة كتاب – كما ذكر ذلك صاحب الخطط التوفيقية –  .

 

ويعتبر الشعراني هو أول من وضع دراسةً مقارنة للمذاهب الفقهية ، وذلك من خلال كتابيه "" الميزان "" و "" كشف الغمة "" واللذين عمل فيهما على التوفيق بين الأئمة الأربعة .

وقد شغلت شخصية الشعراني اهتمام المستشرقين ، ومنهم نيكلسون الذي وصف إبداع الشعراني وتأثيره من خلال فكره ومؤلفاته في العالم الإسلامي بقوله : "" إنه أعظم صوفي عرفه العالم الإسلامي كله ، وإنه منذ فتح المغول العالم الإسلامي ، ركدت الحركة في الإسلام ، واقتصر علماؤه على الجمع والتقليد ، فلا نجد بوادر انطلاق ، أو إنتاج خصب منتج ، أو أي أثر لتفكير أصيل وضيء ، باستثناء شخصيتين شاذتين ، هما : ابن خلدون المؤرخ ، والشعراني الصوفي ، وكان الشعراني بالذات مفكراً مبدعاً أصيلاً ، أثَّر تأثيراً واسع المدى في العالم الإسلامي ، يشهد به إلى يومنا إلحاح القراء إلحاحاً متواصلاً في طلب مؤلفاته "" .

 

وقد كان الشعراني كذلك عارفاً بأمراض النفوس وعللها وآفاتها ، فعمل على تقديم العلاج لها ، وما كان ذلك غير العمل بما في الكتاب والسنة .

 

وأما عن أخلاق الشعراني فحدث ولا حرج فقد كان مثالاً عالياً لمن تخلق بأخلاق التصوف وتأدب بآدابه ، كما أنه كان عنواناً كريماً لمن أراد التحلي بالأخلاق المحمدية ، وقد قام الشعراني بوضع كتابه "" لطائف المنن والأخلاق "" الذي يعتبره بعضُ العلماء أعظمَ كتاب للأخلاق وُضع في هذه الغاية . وهو في هذا الكتاب قد رسم الخطوطَ العريضة للآداب الإسلامية ، كما فرق فيه بين التصوف الصادق الذي يرتكز على الخلق المحمدي وبين أدعياء التصوف .

 

وإبداع الشعراني مثال يحتذى ، فقد كان مبدعاً في فهمه للتصوف ؛ وذلك من خلال اختصاره الطريق على السالكين ومطالبتهم التحقيق بالعبودية ، ووضع من أجل تلك الغاية كتابه "" الأنوار القدسية في آداب العبودية "" ."


انشء في: ثلاثاء 20 نوفمبر 2012 16:17
Category:
مشاركة عبر